ابن أبي الحديد

74

شرح نهج البلاغة

وروى سعيد بن المسيب ، أن عمر لما صدر من الحج في الشهر الذي قتل فيه ، كوم كومة من بطحاء ، وألقى عليها طرف ثوبه ، ثم استلقى عليها ، ورفع يديه إلى السماء ، وقال اللهم كبرت سنى ، وضعفت قوتي ، وانتشرت ( 1 ) رعيتي ، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط . ثم قدم المدينة فخطب الناس فقال : أيها الناس قد فرضت لكم الفرائض وسننت لكم السنن ، وتركتكم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا إياكم أن تنتهوا عن آية الرجم وأن يقول قائل : لا نجد ذلك حدا في كتاب الله فقد رأيت رسول الله رجم ورجمنا بعده ، ولولا أن يقول الناس : إن ابن الخطاب أحدث آية في كتاب الله لكتبتها ، ولقد كنا نقرؤها ( والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فما انسلخ ذو الحجة حتى طعن * * * دفع إلى عمر صك ( 2 ) محلة في شعبان ، فقال : أي شعبان ؟ الذي مضى أم الذي نحن فيه ؟ ثم جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقال : ضعوا للناس تاريخا يرجعون إليه ، فقال قائل منهم : اكتبوا على تاريخ الروم ، فقيل : إنه يطول ، وإنه مكتوب من عهد ذي القرنين . وقال قائل : بل اكتبوا على تاريخ الفرس ، [ فقيل إن الفرس ] ( 3 ) كلما قام ملك طرحوا ما كان قبله فقال علي عليه السلام : اكتبوا تاريخكم منذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من دار الشرك إلى دار النصرة وهي دار الهجرة فقال عمر : نعم ما أشرت به ، فكتب للهجرة ، بعد مضى سنتين ونصف من خلافة عمر ( 4 ) .

--> ( 1 ) انتشرت الرعية : أي تفرقت في شتى النواحي . ( 2 ) الصك : كتاب الاقرار بالمال . ( 3 ) تكملة من تاريخ الطبري . ( 4 ) الخبر في تاريخ الطبري 2 : 253 ( الحسينية ) ، وفيه : ( فاجتمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، فوجدوه عشر سنين ، فكتب التاريخ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ) .